قطب الدين الراوندي
138
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ثم ضرب مثلين لمن يتغافل ولم يتفكر ، ودعا لمن استبصر وخشي . ثم ذكر جملة على سبيل الخطاب لطلحة والزبير ومن كان سبب حرب الجمل ، فقال : إني لم أزل أتفرس فيكم الغدر ، وكان النبي صلى اللَّه عليه وآله ناجاني بنكث العهد منكم في العاقبة ، فكنت أنتظر ذلك . وتوسمت فيه الخير ، أي تفرست . ووسمته بكذا وتوسمته ( 1 ) به : إذا أثرت فيه بسمة وكي ، وإذا أمرت منه قلت توسمته . وقوله « سترني عنكم جلباب الدين » أي حالت الديانة بيني وبينكم ، فلست أحدكم على ما أقهركم به ، فكأني لا أراكم ولا ترونني . وروي « ستركم عن جلباب الزينة » وهذا ظاهر . أما بيان الرواية الأولى المعروفة فنوردها ( 2 ) على الوعيد والتهدد للقوم في تثاقلهم عن نصره ومخالفتهم لأمره استهانة بعذره ونذره ، كما يقول أحدنا لغيره إذا استهان بحق القائل واستخف بأمره ونهيه : أنت لا تعرفني ولو شئت لعرفتك نفسي . فيكون معنى الكلام : سترني عنكم جلباب ديني ومنعني من أن أعرفكم نفسي بما أقوى عليه من وجوه تقويمكم وتأديبكم ، وذلك أنكم لا تستقيمون إلا بالخشونة والعنف أو بالظلم والعسف وأنواع الحيف ، وتمنعني ديانتي عن ذلك . كما قال في موضع آخر : وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم ، ولكن لا أرى اصلاحكم بافساد نفسي . ويجوز أن يكون المعنى : ان الدين والتزام حكمه حكم بالإغضاء ( 3 ) عنهم
--> ( 1 ) في ص : أي توسمته به . ( 2 ) كذا في ص ، وفي د : فموردها . ( 3 ) الاغضاء : الحلم ، يقال : أغضى الرجل عينه : قارب بين جفنيها ، وأغضى على القذى : إذا أمسك عفوا عنه .